فخر الدين الرازي

38

شرح عيون الحكمة

واعلم : أنه قال في سائر كتبه : « القوة مبدأ التغير من آخر في آخر ، من حيث إنه آخر » والمراد من هذا الكلام : أن مذهبه أن الشئ الواحد لا يكون قابلا وفاعلا معا . فالمؤثر شئ والقابل شئ آخر . ولهذا السبب قال : « القوة مبدأ التغير من آخر في آخر » وأما قوله : « من حيث إنه آخر » فهو جواب عن سؤال يذكر ، فيقال : ألبس أن الطبيب يعالج نفسه ؟ فأجاب عنه : انه يعالج بنفسه ويقبل العلاج ببدنه . فالإنسان وان كان شيئا واحدا ، الا أن المعالج منه أحد جزئه ، والقابل للعلاج هو الجزء الثاني . فزال هذا السؤال . ولقائل أن يقول : التغير انما يصدق حيث حصل ذلك الشئ بعد العدم ، وليس من شرط القوة المؤثرة أن تكون كذلك . ألا ترى أن المقدار المعين لكل ذلك هو الشكل المعين لكل فلك . والموضع المعين لكل فلك مقتضى طبائعها النوعية ، وتلك الطبيعة قوة أوجبت هذه الآثار ، مع أن هذه الآثار ليست من جنس التغيرات ، لأنها باقية دائمة أزلا وأبدا - عندهم - من غير تغير وتبدل . المسألة الثالثة في إقامة الحجة على اثبات الطبيعة قال الشيخ : « ولأن كل جسم يختص كما قلنا بأين وكيف . وسائر ذلك . وبالجملة : بحركة وسكون . فذلك اذن له لأجل قوة هي مبدأ التحريك إلى تلك الحالة ، تسمى الطبيعة » التفسير : انه ذكر في أول الطبيعيات : أن الطبيعة عبارة عن قوة توجب حركة ما ، هي فيه . وسكونه بالذات . وهذا المعنى كان في ذلك الموضع جاريا مجرى شرح الاسم . أما هنا فأقام الدلالة على أن كل أثر يصدر عن جسم لا على سبيل القسر ولا على سبيل الفرض ، فإنه يجب أن تكون تلك القوة موجودة فيه ، فحينئذ يلزم منه أن كون هذه الأجسام ساكنة في أحيازها الطبيعية ومتحركه في أحيازها الغريبة ، لا بد وأن تكون القوى